المسطرة المعوجّة
إعادة تسعير السوق لنفسه
يحلّق الذهب بحلول فبراير ٢٠٢٦، عند خمسة آلاف ومئة دولار للأونصة. قبل سنتين كان بنحو ألف وتسعمائة دولار. السؤال البديهي يطرح نفسه: هل ارتفع الذهب، أم انخفض الدولار؟
الجواب يكشف ما هو أعمق من مجرد تتبع الحركة السعرية. السوق لا يصحح نفسه فحسب، بل يعيد تعريف المقياس الذي يقيس به القيمة في عالم المعاوضات.
أولاً: المسطرة المعوجّة والشاهدان
حين تقيس طولك بمسطرة أرقامها تتغير، ستبدو أطول في كل مرة تقيس فيها، لكنك في الحقيقة لم تتغير. المسطرة هي التي تغيرت.
في السبعينات أصبح الدولار تلك المسطرة المعوجة، ومنذ ٢٠٢٠ طبعت البنوك المركزية منه ما شاء الله لها أن تطبع. ارتفع مؤشر S&P 500، ارتفعت العقارات، ارتفع كل شيء، ووقع الناس في الفخ: ظنوا أنهم اغتنوا. لكن المسطرة هي المتغيرة، والطول هو نفسه.
والذهب والفضة ليسا طرفاً في هذه المعادلة، بل شاهدان عليها. لم يرتفعا؛ بل كشفا تغيّر مقاييس غيرهما.
ثمّ إنّ الله تعالى خلق الحجرين المعدنيّين من الذّهب والفضّة قيمةً لكلّ متموَّل، وهما الذّخيرة والقُنية لأهل العالم في الغالب.
— ابن خلدون، المقدمة
الأرقام تتكلم: S&P 500 مقوّماً بالذهب
المستثمر الذي يحتفل بعوائد صناديق المؤشرات قد لا يدرك أنه ربما لم يفعل شيئاً إلا أنه حافظ على قوته الشرائية — أو خسرها. الجدول التالي يوضح الصورة:
| العائد الحقيقي | النسبة (S&P/ذهب) | قيمة ١٠ آلاف $ بالذهب | قيمة ١٠ آلاف $ بالأسهم | سعر الذهب ($) | الفترة |
| — | ٥.٤ | ١٠,٠٠٠ | ١٠,٠٠٠ | ٢٨٣ | يناير ٢٠٠٠ |
| +١٣٪ فقط | ١.٦ | ٤٥,٥٠٠ | ٢٠,٧٠٠ | ١,٢٦٠ | يناير ٢٠١٥ |
| سالب مقوّماً بالذهب | ≈ ٢.٢ | ٩٦,٠٠٠ | ٥٢,٠٠٠ | ٢,٧١٥ | يناير ٢٠٢٥ |
| الفجوة تتسع | ≈ ١.٧ | ١٢٦,٦٠٠ | ٧٧,٥٠٠ | ≈ ٣,٥٠٠+ | أكتوبر ٢٠٢٥ |
المصادر: MacroTrends، Visual Capitalist / BullionVault، بيانات أسعار الذهب التاريخية.
الخلاصة: عشرة آلاف دولار استُثمرت في الذهب عام ٢٠٠٠ أصبحت نحو ١٢٦,٦٠٠ دولار بحلول أكتوبر ٢٠٢٥، مقابل ٧٧,٥٠٠ دولار فقط لنفس المبلغ في صناديق مؤشر S&P 500 شاملة توزيعات الأرباح. الفجوة تتجاوز ٤٩ ألف دولار، أي أن الذهب تفوّق بنحو ٦٣٪. البنوك المركزية تعرف هذا: الصين تشتري ذهباً، روسيا تشتري ذهباً، الخليج يشتري ذهباً. ليس تحوطاً من التضخم فحسب، بل تصويتاً بعدم الثقة في نظام نقدي بُني على وعد — والوعد بدأ يتآكل.
مثل صنم التمر في الجاهلية: كان الرجل يصنع صنمه من التمر ثم يعبده، فإذا جاع لم يجد ما يأكله فأكل صنمه. والدولار الورقي صنمٌ صنعته المؤسسات المالية ثم عبدته الأسواق، فلما جاع النظام من حقيقة القيمة بدأ يأكل صنمه.
ثانياً: الفرز الكبير
مع ارتفاع الفائدة وتشديد السياسة النقدية، يواجه السوق سؤالاً طالما تهرّب منه: ما القيمة الحقيقية لهذه الأصول حين نقيسها بمقياس لا يكذب؟
السوق بدأ بالفرز الآن، وإعادة قياس مفهوم القيمة وحقيقتها:
الشركات التي تولّد ندرة حقيقية وقيمة مضافة ملموسة ستبقى. خذ مثالاً: أرامكو تجلس على أصل ناضب لا يمكن استنساخه، وشركات مثل ASML تحتكر تقنية لا بديل عنها في صناعة الرقائق. هذه شركات لا تحتاج وعوداً مستقبلية لتبرير وجودها.
أما الشركات التي كانت قصتها «نمو مستقبلي» بفائدة صفرية — كثير منها سيتبخر. شركات التقنية التي لم تحقق ربحاً قط وكانت تعيش على تمويل رخيص تواجه الآن تكلفة رأسمال حقيقية.
العقارات المسعّرة على قروض رخيصة وعوائد منخفضة ستعود إلى الأرض. في السعودية مثلاً، العقار السكني الذي ارتفع ٨٠٪ خلال ثلاث سنوات بفعل التمويل المدعوم — كم من هذا الارتفاع حقيقي وكم منه انعكاس للمسطرة المعوجة؟
والأصول الرقمية التي لا تولّد شيئاً ستواجه حقيقتها. العملة المشفرة التي لا عائد لها ولا أصل خلفها ولا ندرة طبيعية تحكمها — ما الذي يمنحها قيمة في عالم تكلفته ارتفعت؟
هذا ليس انهياراً. بل أفولٌ لصنم العملات الورقية. جاع السوق فأكله، وأصبح يبحث عن معنى القيمة وطريقة لقياسها من جديد.
ثالثاً: المستثمر السعودي والمعادلة المُرّة
الريال مربوط بالدولار. هذا يعني أن كل ما يصيب الدولار يصيب الريال. ثروتك المقوّمة بالريال قد تبدو ثابتة على الورق، لكن قِسها بالذهب، أو بسلة عملات، أو بما تستطيع شراءه فعلاً — الصورة مختلفة تماماً.
الربط له مزاياه في الاستقرار التجاري، لا شك. لكن المستثمر الواعي لا يكتفي بمسطرة واحدة.
إطار عملي: ثلاث مساطر للمحفظة
كل ربع سنة، اسأل نفسك أربعة أسئلة:
١. كم تساوي محفظتي بالريال؟ هذا الرقم الذي تراه في حسابك — وهو الأقل دلالة.
٢. كم تساوي بالذهب؟ اقسم قيمة محفظتك على سعر أونصة الذهب. إذا كان الرقم ينخفض بمرور الوقت رغم أن محفظتك «ترتفع» بالريال — فأنت تخسر قوتك الشرائية الحقيقية.
٣. كم تساوي بسلة سلع أساسية؟ قارن قيمتها بأسعار العقار والغذاء والطاقة. الأرقام الاسمية لا تكفي.
٤. كم تساوي بما أستطيع شراءه غداً؟ القوة الشرائية المستقبلية هي المقياس النهائي. هل محفظتك تنمو أسرع من تآكل العملة؟
من لا يسأل هذه الأسئلة يخدع نفسه بأرقام.
الخلاصة: البحث عن مقياس صادق
في عالم تتنافس فيه القوى على النفوذ، وتتزعزع فيه الثقة بالمؤسسات، يبحث الناس عن شيء لا يُطبع ولا يُخفف ولا يخضع لقرار سياسي منفرد.
الذهب والفضة أحد هذه الأشياء. ليس لأنهما مثاليان، بل لأنهما صمدا أكثر من ستة آلاف سنة. والسلع صمدت. والطاقة صمدت. كل ما له ندرة حقيقية ومنفعة حقيقية صمد.
الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ.
— حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه — صحيح مسلم
الأصناف الستة في الحديث — الذهب، الفضة، البُر، الشعير، التمر، الملح — ليست اختياراً عشوائياً. كلها تشترك في صفتين: الندرة الطبيعية والمنفعة الحقيقية. وهذا بالضبط ما يجعلها مقياساً صادقاً عبر التاريخ.
أما الورق المطبوع فتاريخه واضح: كل عملة ورقية في التاريخ انتهت إلى صفر. المسألة مسألة وقت — قد يكون عقداً أو قرناً، لكن الاتجاه واحد. وهذا لا يعني أن الدولار سينهار غداً؛ فهو لا يزال عملة الاحتياط العالمية، والانتقال بعيداً عنه عملية بطيئة ومعقدة. لكنه يعني أن من يعتمد عليه وحده كمقياس للقيمة يراهن على استثناء تاريخي.
ما يحدث اليوم ليس تصحيحاً عادياً. السوق يعيش أزمة هوية، يُعيد تقييم كل شيء بناءً على مقياس قديم كان قد تناساه.
الذهب والفضة يقولان للدولار: أنت لست المقياس.
والسوق يقول للمستثمر: من لا يفهم بأي مسطرة يقيس — سيفقد ما يملك.
والفائز في هذه المرحلة ليس من يملك أكثر — بل من يعرف ما يملكه حقاً، وأين ومتى يقيس قيمة استثماره بالمسطرة الصحيحة.
أضف تعليق